سيد محمد طنطاوي

350

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وبكل ما يتعلق بالكائنات كلها . وبعد هذا التنزيه من عيسى - عليه السلام - للَّه عز وجل - ، وبعد هذا النفي المؤكد لما سئل عنه بعد كل ذلك يحكى القرآن ما قاله عيسى لقومه فيقول : * ( ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِه أَنِ اعْبُدُوا اللَّه رَبِّي ورَبَّكُمْ ، وكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ ) * أي : ما قلت لهم - يا إلهي - * ( اتَّخِذُونِي وأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّه ) * وإنما القول الذي قلته لهم هو الذي أمرتني أن أبلغهم إياه وهو عبادتك وحدك لا شريك لك ، فأنت ربي وربهم ، وأنت الذي خلقتني وخلقتهم ، فيجب أن ندين لك جميعا بالعبادة والخضوع والطاعة ، وأنت تعلم يا الهى - أنني لم أقصر في ذلك ، وأنني كنت رقيبا وشهيدا على قومي ، وداعيا لهم إلى اخلاص العبادات لك والعمل بموجب أمرك مدة بقائى فيهم . قال الفخر الرازي : وأن في قوله * ( أَنِ اعْبُدُوا اللَّه ) * مفسرة والمفسر هو الهاء في ( به ) من قوله * ( إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِه ) * وهو يعود إلى القول المأمور به . والمعنى : ما قلت لهم إلا قولا أمرتني به ، وذلك القول هو أن : اعبدوا اللَّه ربي وربكم . واعلم أنه كان الأصل أن يقال : ما أمرتهم إلا بما أمرتني به إلا أنه وضع القول موضع الأمر ، نزولا على موجب الأدب الحسن لئلا يجعل نفسه وربه آمرين معا ، ودل على الأصل بذكر أن المفسرة « 1 » . وقوله : * ( فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وأَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ) * بيان لانتهاء مهمته بعد فراقه لقومه . أي : أنت تعلم يا إلهي بأنى ما أمرتهم إلا بعبادتك وبأنى ما قصرت في حملهم على طاعتك مدة وجودي معهم ، * ( فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي ) * يا إلهي أي : قبضتني بالرفع إلى السماء حيا ، كنت أنت الرقيب عليهم ، أي : كنت أنت وحدك الحفيظ عليهم المراقب لأحوالهم ، العليم بتصرفاتهم . الخبير بمن أحسن منهم وبمن أساء وأنت - يا إلهي - على كل شيء شهيد ، لا تخفى عليك خافية من أمور خلقك . هذا . وما ذهبنا إليه من أن معنى * ( فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي ) * أي : قبضتني بالرفع إلى السماء حيا قول جمهور العلماء . ومنهم من يرى أن معنى * ( فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي ) * أي : أمتنى وزعموا أن رفعه إلى السماء كان بعد موته .

--> ( 1 ) الفخر الرازي ج 12 ص 125 المطبعة البهية .